عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
90
اللباب في علوم الكتاب
قوله : وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي : ونكتب قتلهم ، أي : رضاهم بالقتل ، والمراد قتل أسلافهم الأنبياء ، ولكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم ، وحسّن رجل عند الشعبي قتل عثمان ، فقال الشعبي : قد شركت في دمه ، فجعل الرضا بالقتل قتلا ، قال القرطبيّ : وهذه مسألة عظمى ، حيث يكون الرضا بالمعصية معصية ، وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكنديّ ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - أو فأنكرها - كمن غاب عنها ، ومن غاب فرضيها كان كمن شهدها » « 1 » وتقدم الكلام على إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء الحاضرين . والفائدة في ضمّ أنهم قتلوا الأنبياء إلى وصفهم اللّه تعالى بالفقر بيان أن جهلهم ليس مخصوصا بهذا الوقت ، بل هم - منذ كانوا - مصرّون على الجهالات والحماقات . ثم قال : وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي : النار ، وهو بمعنى المحرق - كالأليم بمعنى المؤلم - وهذا القول يحتمل أن يقال لهم عند الموت ، أو عند الحشر ، وإن لم يكن هناك قول . فإن قيل : إنهم أوردوا سؤالا ، وهو أن من طلب المال من غيره كان فقيرا ، فلو طلب اللّه المال من عبيده لكان فقيرا ، وذلك محال ، فوجب أن يقال : إنه لم يطلب المال من عبيده ، وذلك قادح في كونه صلّى اللّه عليه وسلّم صادقا في ادّعاء النّبوة ، فهذا هو شبهتهم ، فأين الجواب ؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد قبل ذكر الجواب عنها ؟ . فالجواب : إن فرّعنا على قول أهل السّنّة والجماعة قلنا : يفعل اللّه ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر اللّه عبيده ببذل الأموال ، مع كونه تعالى أغنى الأغنياء . وأما على قول المعتزلة - فإنه تعالى يراعي المصالح - فلا يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد ؛ فإن إنفاق المال يوجب زوال حبّ المال عن القلب ، وذلك من أعظم المنافع ، وتتفرع عليه مصالح كثيرة : منها : أن إنفاقه سبب للبقاء المخلد في دار الثّواب . ومنها : أن يصير القلب - بذلك الإنفاق - فارغا من حبّ ما سوى اللّه تعالى . ومنها : أنه لو ترك الإنفاق لبقي حبّ المال في قلبه ، فتتألم روحه لمفارقته . قوله : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ مبتدأ وخبر ، تقديره : ذلك مستحق بما قدمت ، كذا قدره أبو البقاء ، وفيه نظر . و « ما » يجوز أن تكون موصولة ، وموصوفة ، و « ذلك » إشارة إلى ما قدّم من عقابهم ، وهذه الجملة تحتمل وجهين :
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 2 / 528 ) كتاب الملاحم باب الأمر والنهي رقم ( 4345 ) والطبراني في « الكبير » ( 17 / 139 ) عن العرس بن عبيدة وذكره المتقي الهندي في « كنز العمال » ( 5537 ) وعزاه أيضا للبيهقي عن أبي هريرة .